رميةٌ ثلاثية ضد الماضي: حين وحدت كرة السلة قلوب السوريين واللبنانيين
نادرا ما تحمل صافرة الحكم في ملعب رياضي صدى بيان دبلوماسي يغير مسار التاريخ، لكن الرياضة كانت دائما تملك هذه القدرة السحرية على اختراق جدران الصمت والكراهية التي تعجز عنها السياسة. لقد رأى العالم ذلك في “دبلوماسية البينغ بونغ” عام 1971، حين مهدت كرة طاولة صغيرة لزيارة الرئيس نيكسون للصين بعد عقدين من القطيعة، وشهدنا “دبلوماسية الكريكيت” بين الهند وباكستان التي نزعت فتيل مواجهات عسكرية كانت وشيكة عام ، وصولا إلى الهدنة الأولمبية في٨٧٩١ اليونان القديمة التي كانت توقف الحروب ليعبر العداؤون بأمان.

من لحظة ارتداء نيلسون مانديلا لقميص منتخب “سبرينغ بوك” للرغبي عام ١٩٩٥ إلى السير الموحد للكوريتين تحت علم واحد في أولمبياد 2018، كانت الملاعب دائما هي الأراضي الحيادية للمصالحة. واليوم، في ملعب الفيحاء بدمشق، يكتب فصل جديد من هذه القصص عبر مباراة كرة سلة مثلت لحظة تطهير جماعي لشعبين فرقتهما المدافع ووحدهما الانكسار.
في نيسان، نتج ضجيج ملعب الفيحاء بدمشق عن تحطم جدار من الكراهية بيدي الجماهير نفسها. وسط هذا الحشد، يطرح تساؤل جدلي عميق: هل وحدنا الحب فجأة، أم أن الكراهية المشتركة للظلم هي التي جعلت لبنانيا يعانق سوريا لأول مرة بعيدا عن نبرة الاستعلاء أو الخوف؟

لسنوات طويلة، تعرض السوري في لبنان للتنميط كـ “عبء” أو “لاجئ” يقاسم السكان مواردهم، بينما رأى السوريون في لبنان مصدر تهديد بسبب تدخل الميليشيات التي ساهمت في تهجيرهم. لكن المباراة كشفت عن تحول جذري؛ فاللبناني الذي كان يشكو من الوجود السوري، بدأ يرى في السوري رفيق قضية خنقه ذات النظام الذي خنق بيروت. يقول جاد (33 عاما)، مشجع لبناني قدم من بيروت: «لقد أخبرونا لسنوات أن السوري هو العدو الذي احتل أرضنا، لكننا اليوم نهتف معهم ضد نفس القمع الذي اغتالنا جميعا. كراهيتنا للنظام وميليشياته كانت أسرع طريق لنحب بعضنا بعيدا عنهم».
حكمت العلاقة بين بيروت ودمشق ظلال قاتمة من الارتياب؛ فبالنسبة للبنانيين، مثل النظام السوري الجيش الذي سيطر على بلادهم منذ نهاية الحرب الأهلية عام 1990 وحتى اغتيال رفيق الحريري في 2005. وتعمقت هذه الفجوة بعد عام 2008، حين بسط حزب الله هيمنته على لبنان بعد أسبوع من القتال الطائفي الذي هدد بجر البلاد إلى حرب أهلية ثانية. وفي المقابل، يرى الكثير من اللبنانيين السنة، وتحديدا في طرابلس وصيدا، في أحمد الشرع حليفا قد يساعد في استعادة التوازن السياسي السني الذي تراجع منذ 2005، خاصة وأن حزب الله فعل في المدن السورية من تهجير وقتل ما فعله في بيروت وأكثر.
على الصعيد الاقتصادي، كان لبنان منصة انطلاق تجارية لسوريا ومستودعا لمليارات الدولارات من الودائع السورية في بنوكه. لكن تلك الثروات تبخرت عقب الانهيار المالي اللبناني عام 2019، مما ترك جرحا اقتصاديا مشتركا. ومع ذلك، وفي مفارقة تاريخية، نجد دمشق اليوم تفتح أذرعها للبنانيين الفارين من الحرب، تماما كما استقبل السوريون جيرانهم في منازلهم إبان الحرب الأهلية اللبنانية وحرب 2006. يرى السوريون اليوم جيرانهم بفهم أعمق، فهم ليسوا جيرانا بالجغرافيا فقط، بل شركاء في دورة لا تنتهي من السعي نحو الأمان. تؤكد ريم (23 عاما)، طالبة سورية: «نحن نفهم تماما ما يعنيه أن تغادر منزلك تحت الرصاص، وهذا ما جعل المباراة لحظة تعارف واحتضان لا يمكن وصفها».
على أرض الملعب، لم تكن النتيجة هي المحور، بل التحالف الرقمي الذي انفجر بمشاعر صادقة على منصات التواصل الاجتماعي. الهتافات التي صدحت ضد حسن نصر الله والأسد في الملعب تناقلها الملايين، لتصير المباراة جسرا بناه الغضب المشترك قبل أن يبنيه الرضا الدبلوماسي. يقول سامر (26 عاما)، وهو شاب سوري عاش في بيروت لسنوات: «كنت اخجل قول اني سوري بلبنان اليوم عم استقبل رفقاتي من بيروت بدمشق ليكونوا أصدقاء أمام العالم، دون خجل من جنسياتنا».
أحمد الشرع، الذي حضر المباراة، لخص المشهد بكلمات سياسية واضحة حين قال من قلب الملعب: «بين لبنان وسوريا في مباراة الليلة لا غالب ولا مغلوب، والفريق الذي سيفوز الليلة هو فوز واحد للبلدين». لقد أدرك الشعبان أن العروبة ليست لعنة إذا ما تحولت إلى رباط صمود ضد جلاد واحد. اليوم، في دمشق، لم ينتصر لبنان على سوريا رياضيا، بل انتصر كلاهما على إرث ثقيل من الحقد، ليعودا إلى ما كانا عليه دائما: رفاق قضية، وملاذا لا يخون.