الخط الرفيع بين الرأي وسياسات التحرير
صورة من موقع العَلم
تحت عنوان الموضوعية تبرز قضية الصحفية أنطوانيت لاطوف بعد فصلها من هيئة الإذاعة الأسترالية عام 2025. وجاءت هذه الخطوة بعد نشر لاطوف منشورات تضامنية مع فلسطين، والتي اعتبرت الهيئة أنها تنتهك قانون العمل. وتصاعد الأمر إلى المحكمة، حيث رفعت لاطوف قضية على الهيئة، لينتهي الأمر بالحكم على الهيئة بدفع 45 ألف دولار أمريكي تعويضاً مالياً باعتبار أنّ الفصل غير قانوني.
وبعد شهرين من الحادث، أعلنت الهيئة سياسات جديدة تقيّد حرية الصحفي في التعبير، والتي شملت حتى الرسائل الخاصة على واتساب. وتهدف هذه السياسات إلى حماية سمعة الهيئة والحفاظ على الحياد الإعلامي. ودفعت هذه التحديثات نقابة الصحفيين إلى إعادة النظر فيها وانتقادها، معتبرةً أنها ذات طابع “عقابي”. وفي المقابل، اعتبرت صحيفة “ذا غاردين” أنّ ما حدث يمثل صراعاً بين حرية الصحفي في التعبير وسياسات المؤسسة الهادفة إلى الحياد.
مع تصاعد الحروب بين الدول، بدأت المؤسسات الإعلامية بتبني سياسات تحريرية تهدف إلى ضمان الموضوعية والشفافية في التغطية. إلا أنّ هذه الضوابط أثارت جدلاً، إذ يرى البعض أنها تكشف عن مواقف سياسية تجاه قضايا معنية. وفي المقابل، يُطلب من الصحفي الالتزام بالموضوعية في نقل الخبر، ما يطرح تساؤلاً أساسياً: هل الخط التحريري موضوعي؟ وأين يقف الحد الفاصل بينه وبين حرية الصحفي، سواء في عمله أو على وسائل التواصل الاجتماعي؟
الخط التحريري
لم يُصمم الخط التحريري ليتعارض مع الموضوعية، فمن وجهة نظر مدير شبكة الجزيرة الإعلامية، أحمد عاشور، “هي زاوية أو رؤية معالجة” تنطلق منها المؤسسة الإعلامية لتضع إطاراً للتحليل والسرد. كما يؤكد عاشور أنّ الخط التحريري لا ينبغي أن يكون على حساب الحقيقة، مشيراً إلى أنّ “الحد الفاصل يكمن في الالتزام بالحقائق أولاً، والتمييز الواضح بين الخبر والرأي”. وفيما يتفق الصحفي في شبكة الشرق بلومبيرغ، محمد حمادة، على أنّ الخط التحريري “ينظم العمل لكنه لا يبرر تزييف الحقائق”.
ولكن من عدسةٍ أخرى ترى الصحفية التونسية المستقلة، خولة بن قياس، أنّ “المؤسسات دائماً منحازة لجهةٍ ما”، ولكن تبقى الصفة الحسنة فيهم أنهم “موضوعين”، حيث سينقل الحقيقة التي “تنقلها كاميرات مراسليه من الزاوية التي هي (المؤسسة) تختارها”. كما أضافت أنّ بعض الصحفيين يكونوا “منسجمين” مع الخطوط القانونية التي تُرسم لهم، “ومن لا ينسجم ينسحب أو يغادر بإرادته أو المؤسسة تدفعه للمغادرة”.
مهنة الصحفي
من الناحية المهنية، فإنّ تعبير الصحفي عن رأيه “ليس مسموحاً”، ولكنه من الأساس “ليس لديه صوت حر”، فترى بن قياس أنّ الصحفي يعيش ” إكراهات تجبره على الصمت أو عدم أخذ طرف في أي ملف ليستطيع الاستمرار في عمله”. وتلتقي الأستاذة الدكتورة في الإعلام في جامعة أبوظبي، بيانكا روبرتس، عند نفس النقطة حيث قالت: “من الصعب جداً، خصوصاً في القرن الحادي والعشرين، أن يظل الصحفي ملتزماً بالمثالية الموضوعية، في ظل عالم الإنترنت وأنماط الخطاب التي أصبحت فيه شديدة الاستقطاب ومشحونة سياسياً”. وعلى النقيض، يرى حمادة أنّ “حرية الصحفي موجودة، ولكن تمارس ضمن إطار مهني”.
ولكن في بعض القضايا، مثل انتهاكات حقوق الإنسان، يُعطى الصحفي الضوء الأخضر في التعبير عن رأيه، فاستندت روبرتس إلى نفسها، موضحةً: “عندما وُجدت أدلة على جرائم حرب أو انتهاكات لحقوق الإنسان في بعض النزاعات في الشرق الأوسط، قمت أنا شخصياً بتغطية ذلك بشكل قوي دون خوف من أن أبدو “متحيزاً”، حتى مع وجود احتمال بسيط لحدوث جدل أو اعتراض من الجمهور”.
ومع تزايد حضور الصحفيين على وسائل التواصل الاجتماعي، تبرز إشكالية العلاقة بين الهوية الشخصية والمهنية، حيث طرحت روبرتس السؤال: “ما إذا كان الالتزام الحقيقي بمهنة الصحافة يتطلب منا إلى حد ما كبت جزء من هويتنا الشخصية الأصيلة”، مجيبةً أنّ على الصحفي ” فصل حساباتهم العامة عن حساباتهم الشخصية، حتى يتمكنوا من تحقيق توازن بين صورتهم المهنية وحاجتهم الشخصية إلى التعبير عن أنفسهم بصدق”.
ويأتي هذا النقاش في ظل تزايد وعي القارئ باللغة المستخدمة في نقل الأخبار، فكلمات مثل: “قُتل” و”استُشهد” و”مات” تكشف للقارئ انحياز المؤسسة لأي طرف بطريقة غير مباشرة.