بين بروفات الرقص وصفارات الإنذار

كانت الأرض في ردهات الجامعة الأمريكية في دبي تهتز بنبضٍ لا يشبه صخب المحركات أو ضجيج الكافيتريا؛ بل كان نبضاً آتياً من ضربات أقدامنا. فخلال ليالي شهر رمضان المبارك، كانت القاعات الخلفية تتحول إلى خلايا نحل لا تهدأ؛ حيث يجتمع طلاب الأندية السورية، والأردنية، والفلسطينية، والأفريقية، وغيرهم من عشرات الأندية الطلابية، فور انتهاء صلاتي المغرب والتراويح. كان الإيقاع يتسارع مع كل بروفة لـ “الليلة الدولية”، العرض الأضخم الذي كنا ننتظره كعيدٍ ثالث بعد الفطر. كانت أحلامنا محصورة في إتقان حركات “الدبكة” والموازنة بين عرق التدريبات وضغط امتحانات “الميدترم”.

وفجأة، انكسر هذا الإيقاع كان تحولاً فرضته الهجمات الإيرانية التي أطلقت أولى صفارات الإنذار في سماء دبي، لتعيد صياغة مفهومنا للأمان والواقع.

ديجا فو “الأونلاين”

بمجرد صدور قرار وزارة التربية والتعليم بالتحول الفوري للتعليم عن بُعد، ضربتنا موجة قاسية من “الديجا فو”؛ لقد عدنا فجأة إلى تلك العزلة التي خنقنا بها كوفيد سابقاً. وجدنا أنفسنا مجدداً سجناء خلف الشاشات، غير قادرين على الخروج أو لقاء الزملاء الذين كنا نتقاسم معهم السحور قبل ساعات. لكن الفرق هذه المرة كان في نوع القلق؛ فالعزلة لم تكن هرباً من فيروس غير مرئي، بل كانت بسبب سماءٍ نراقبها بحذر، بانتظار إشعار الأمان لنعرف هل سنبقى رهن جدران منازلنا أم أن الحياة ستعود لمجاريها.

البحث عن الأمان في قلب “الخطر”

داخل هذا المشهد الضبابي، تبرز قصة الطالبة ريتا خليل كأوضح مثال على “تشتت الهوية” تحت ضغط الخوف. ريتا، التي لخصت حالة الذعر في أيامها الأولى، لم تطأ قدماها غرفتها في السكن الجامعي منذ انطلاق الصاروخ الأول. عاشت ريتا “شتاتاً داخلياً”، متنقلةً بحقيبتها بين بيوت الأصدقاء والأقارب، باحثةً عن أمانٍ لم تعد تجده في جدران الجامعة.

المفارقة المؤلمة كانت في محاولاتها المستمرة لحجز أي تذكرة طيران للعودة إلى لبنان، وسط انغلاق المدار الجوي، رغم إدراكها أن الوضع هناك عسكرياً قد يكون أكثر خطورة من دبي. لكن ريتا، في لحظة صدقٍ تجسد غريزة البقاء بجانب الأهل، قالت: “أفضل الموت بجانب عائلتي”. بالنسبة لريتا، لم يعد الأمان يعني البقاء في منطقة محمية، بل يعني القرب الجسدي ممن تحب حين تنهار السماء.

“سمعتو؟”

على الجانب الآخر من المدينة، كان الطالب نسيب طرابيشي يخلق لنفسه درعاً نفسياً عبر هاتفه. بالنسبة لنسيب، لم يكن العزاء في الهروب، بل في “المشاركة”. يصف نسيب الأسبوعين الأولين من النزاع بأنهما كانا رحلة في البحث عن “الرفقة في الخوف”.

يقول نسيب بنبرة تعكس حاجتنا للبشر في زمن الأزمات: “كنتُ أشعر بالتحسن فقط لأن رسالة ‘سمعتو؟’ كانت تصل فوراً على مجموعات الواتساب عند كل صوت غريب.. هذا النص البسيط كان يجعلني أشعر بأنني لستُ وحيداً في هذا الموقف”. تحولت مجموعات الدراسة من تنسيق المشاريع إلى رادارات رقمية جماعية، حيث أصبح السؤال عن سماع الصوت معادلًا رقمياً للعناق والاطمئنان.

متحف الخدر

أما قصة الطالبة رنا صقر، فهي الأكثر عمقاً وإثارة للتساؤلات حول ما يفعله الزمن بالإنسان. رنا، التي كبرت وسط نيران الحرب في سوريا ل٢١ عاماً، فقدت القدرة على “الذعر” بالمعنى التقليدي للكلمة. بالنسبة لها، صفارات الإنذار هي مجرد إشارة روتينية لبدء بروتوكول حفظته عن ظهر قلب.

تتعامل رنا مع الهجمات بهدوء يثير الدهشة؛ فبمجرد انطلاق التنبيه، تتوجه إلى مواقف السيارات السفلى، تجلس في سيارتها ببرود تام، وتفتح هاتفها لتتابع حلقة من “مسلسلها الرمضاني” المفضل حتى يأتي إشعار الأمان. رنا ليست شجاعة بقدر ما هي “مخدرة” تاريخياً؛ لقد رأت من الحروب ما جعل صفارة إنذار واحدة مجرد ضجيج لا يستحق تعطيل متعة الدراما الرمضانية.

أحلام الأندية المؤجلة

بين الخوف المشتعل والخدر البارد، يقف منظمو “الليلة الدولية” في حالة من الشلل الفني. طلاب النادي الأردني والسوري والفلسطيني وغيرهم، الذين كانوا يتدربون حتى الفجر، يجدون أنفسهم الآن يشاهدون أزياءهم وهي تُخزن في صناديق الانتظار.

تختصر الطالبة يارا هباهبة، نائبة رئيس النادي الأردني، حالة الإحباط التي تسللت للجميع؛ فتقول بيأس: “توقفنا عن التدريب تماماً؛ فرغم أن الجامعة أجلت الفعالية حتى نهاية أبريل، إلا أننا نشعر بتشاؤم كبير، ونحن متأكدون أن الحفل سيُلغى في النهاية”. هذا التوقف لم يكن مجرد استراحة، بل كان شعوراً بأن الفرح بات “غير ملائم” أو “غير ممكن” في ظل هذه الظروف.

حين تسهر إيران.. نسهر نحن

تحول إيقاع الحياة في دبي إلى “نظام ليلي” قسري؛ حيث لاحظ الطلاب أن محاولات إطلاق الصواريخ تتركز في الساعات المتأخرة من الليل. هذا الأمر خلق جدولاً زمنياً سريالياً؛ حيث أصبح الطلاب لا يجرؤون على النوم إلا بعد الساعة السابعة صباحاً، حين يشرق الضوء وتتراجع احتمالات الهجوم.

استغل البعض هذا السهر “الإجباري” في تطوير أنفسهم؛ فمنهم من اتجه لممارسة الرياضة المنزلية ، ومنهم من استغل الوقت لتعويض ما فاته من نوم أو دراسة في ساعات الصباح الأولى، محاولين استعادة السيطرة على حياتهم وسط هذا الغموض.

الجانب المضيء

رغم قسوة المشهد، إلا أن هناك اتفاقاً جماعياً على شعورٍ عميق بالأمان والامتنان لمنظومة الدفاع الجوي الإماراتية، التي نجحت في تأمين سماء دبي لقرابة شهر من الاعتراضات الناجحة. هذا الأمان هو ما سمح لنا باكتشاف “الجانب المضيء” لهذه الأزمة؛ وهو الوقت.

لقد كان المحظوظون منا، ممن يعيشون مع عائلاتهم في دبي، هم الرابح الأكبر. فبينما كان من المفترض أن نكون منشغلين بالدراسة للميدترم أو التدريب في الأندية، منحتنا “إجازة الربيع الممتدة” بقرار الوزارة فرصة ذهبية لقضاء وقت نوعي وحقيقي مع أهالينا خلال رمضان والعيد.

حتى عيد الأم كان له طعم مختلف هذا العام؛ فرغم تلقينا لـ ٦ تنبيهات أمنية بضرورة البقاء في المنزل في ذلك اليوم، إلا أن قضاءه مع أمهاتنا كان جميلاً ومؤثراً بشكل استثنائي. لولا هذه الظروف، لسرقتنا الحياة الجامعية من هذه اللحظات الدافئة، ولما أدركنا أن الأمان الحقيقي ليس في غياب صفارات الإنذار، بل في وجودنا بجانب من نحب حين تنطلق.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *