من جديد، خلف الشاشة: هل يتكرر سيناريو العزلة؟

في لحظةٍ لم يتوقعها أحد، عاد شبح التعلم عن بعد ليطرق أبواب الطلاب من جديد. قرارٌ مفاجئ فرضته ظروف الحرب الأمريكية الإيرانية التي اندلعت في 28 فبراير 2026، أعاد الشاشات إلى الواجهة، وأعاد معها ذكرياتٍ لا تزال عالقة في أذهان الكثيرين منذ أيام جائحة كورونا. لكن هذه المرة، لا يبدو الأمر مجرد تغيير في أسلوب التعلم، بل تجربة نفسية معقدة، تحمل في طياتها قلقاً من تكرار “الصدمة الرقمية” التي لم ينسها الطلاب بعد.

صدمة القرار وتداعياته اليومية

لم يكن الانتقال مجرد تغيير في وسيلة التعلم، بل كان أشبه بانقطاع مفاجئ عن واقعٍ اعتاد عليه الطلاب، ودخول قسري إلى عالمٍ افتراضي لا يمنحهم الشعور نفسه بالحياة والتفاعل. في لحظة واحدة، تحولت القاعات المليئة بالحركة إلى شاشات صامتة، وأصبح الحضور مجرد تسجيل دخول.

هذا التغيير كان أكثر قسوة على التخصصات العملية، حيث قالت طالبة العلاج الطبيعي شهد علي إن تخصصها يعتمد بشكل أساسي على التطبيق المباشر، مضيفة “فجأة صرت أحضر محاضرات عن الحركة والعلاج من ورا الشاشة وهاد شي غير منطقي بالنسبة إلي”.

ولم يتوقف التأثير عند الجانب الأكاديمي فقط، بل امتد ليُربك تفاصيل الحياة اليومية. فبين ليلة وضحاها، اختفى الروتين الذي كان يمنح الطلاب شعوراً بالاستقرار، وأصبحت ساعات النوم غير منتظمة، بينما تراجع التركيز بشكل ملحوظ. في هذا السياق، أوضحت طالبة إدارة الأعمال هيا عطواني أنها كانت تعيش وفق نظام يومي واضح، لكنها الآن تشعر بأن الأيام متشابهة، قائلة “كنت ألتزم بروتين واضح، بروح على جامعة، بدرس، وبرجع بس حالياً حاسة الوقت عم يمر بدون معنى”.

ومع تداخل حدود الدراسة والحياة الشخصية، بدأ الشعور بالضغط يتسلل تدريجياً، حيث لم يعد هناك فصل واضح بين أوقات الراحة وأوقات العمل، ما جعل الكثير من الطلاب يعيشون حالة من التشويش المستمر.

بين ذاكرة كورونا ومحاولات التأقلم

ما يجعل هذه التجربة أكثر تعقيداً، هو أنها لا تبدأ من الصفر، بل تعيد فتح ذاكرة قريبة لم تلتئم بعد. فبالنسبة لكثير من الطلاب، التعلم عن بعد يعيدهم مباشرة إلى أيام الحجر والعزلة خلال جائحة كورونا، بكل ما حملته من مشاعر ثقيلة.

في هذا الإطار، عبّرت طالبة التصميم الجرافيكي نايا كادرو عن قلقها من تكرار التجربة، حيث قالت إن أكثر ما يخيفها ليس الدراسة نفسها، بل الشعور بالعزلة، موضحة “كنت أقضي ساعات طويلة قدام اللابتوب بدون أي تواصل حقيقي، وما بدي أرجع عيش هذه التجربة مرة ثانية”.

أما طالبة التصميم الداخلي سيدرا عمر، فركّزت على جانب مختلف، إذ أشارت إلى أن تخصصها يعتمد على الإلهام والتفاعل مع البيئة المحيطة، حيث قالت “لما كون محصورة بنفس الغرفة، بحس أنو أفكاري وقفت”.

ورغم هذه المخاوف، يحاول الطلاب التكيّف مع الواقع الجديد بطرق مختلفة. فالبعض أعاد تنظيم يومه بدقة أكبر، وآخرون لجأوا إلى الدراسة الجماعية عبر مكالمات الفيديو لكسر العزلة، بينما اختار البعض الخروج يوميا حتى لو لفترة قصيرة، كوسيلة لاستعادة التوازن النفسي. وفي هذا السياق، أضافت عطواني أنها تحرص على الخروج من المنزل يومياً ولو لوقت قصير، مؤكدة أن ذلك ساعدها على تخفيف الضغط واستعادة جزء من نشاطها.

المسألة لم تعد تتعلق بالتعلم عن بعد بحد ذاته، بل بما يتركه من أثر خفي على حياة الطلاب. أثرٌ يمتد إلى تفاصيل يومهم الصغيرة، إلى نومهم المتقطع، وتركيزهم المتذبذب، وحتى شعورهم المتزايد بالعزلة. وبين هذا الواقع المتقلب، يبقى السؤال مفتوحاً: هل نحن أمام تجربة عابرة فرضتها الظروف، أم بداية لصدمة رقمية جديدة لم تتكشف آثارها بالكامل بعد؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *