بين قاعات المحاضرات وساعات العمل: كيف يوازن طلاب الجامعة بين الدراسة وبناء مستقبلهم المهني؟ 

لم يعد الطالب الجامعي اليوم يعيش حياة أحادية الإيقاع، فإلى جانب المحاضرات، والمشاريع، والامتحانات، بات الكثير من الطلاب يحملون على عاتقهم مسؤولية العمل الجزئي. حتى أصبح بالنسبة لكثير من الطلاب جزءاً أساسياً من رحلتهم الجامعية، ساعين إلى تحقيق الاستقلال المادي وبناء خبرة مهنية مبكرة. فبين الطموح، والضغط، والتجربة، تتعدد القصص وتتقاطع التحديات. هذا الواقع الجديد أعاد تشكيل مفهوم الحياة الجامعية، وفتح الباب أمام تساؤل جوهري: كيف يستطيع الطالب أن يوازن بين متطلبات الدراسة وضغوط العمل دون أن يخسر أحدهما؟ 

ما بين الرغبة والضرورة 

مع بداية الحياة الجامعية، يكتشف كثير من الطلاب أن قرار العمل لا ينبع من سبب واحد، بل من مزيج من الطموح والأسئلة الشخصية حول المستقبل. وتحدث طالب الإعلام، نسيب طرابيشي، الذي يعمل بمعدل 24 ساعة أسبوعياً إلى جانب دراسته، عن العمل قائلاً، “الشغل بيساعدني اكتسب خبرة عملية، وبيسهل عليّ موضوع البحث عن شغل بعد التخرّج”. فبالنسبة له، يكمن التحدي في إنجاز المهام في وقتها المحدد مع الحفاظ على التفوق الأكاديمي. ورغم ضغط الساعات، يصف طرابيشي تجربته بأنها إيجابية، إذ أخرجته من حالة فراغ أثّرت سابقاً على مستواه الدراسي، ومنحته دافعاً أكبر في الجامعة والعمل. فيرى في الاستقلالية وبناء العلاقات مكاسب أساسية، مقابل إرهاق وقلة وقت مع الأصدقاء. 

دافع مختلف ترويه طالبة إدارة الأعمال، بسمة عبد العظيم، التي بدأت العمل بدافع القلق من التخرّج دون خبرة. وقالت، “كنت خايفة أتخرج من دون ما يكون عندي أي خبرة عملية”، مشيرة إلى أن تدريباً قصيراً تحوّل إلى وظيفة منحتها ثقة حقيقية بنفسها. ورغم مرونة العمل، واجهت تحديات تجاوزت الجانب الأكاديمي، خاصة مع تحمّلها مسؤولية رعاية شقيقها. واعترفت بأنها خسرت بعض الهوايات والعلاقات في البداية، لكنها تعلّمت مع الوقت استعادة التوازن. مؤكدة على دخولها الحياة العملية دون خوف من مرحلة ما بعد التخرّج. 

أما طالبة العلاقات الدولية، روز حديفة، فترى في العمل تمريناً على تحمّل المسؤولية قائلة، “قررت أشتغل وأنا عم بدرس بالجامعة لحتى أتحمل مسؤولية حالي وما إعتمد مادياً على حدا”، وموضحة أن ساعات عملها تختلف من أسبوع إلى آخر. وأضافت أنّ العمل أثّر في البداية على درجاتها بسبب الإرهاق، لكنها تعلّمت تنظيم وقتها تدريجياً. وبرأيها، يهيّئ العمل الطلاب للحياة العملية، ويعزّز الاستقلالية، حتى وإن جاء أحياناً على حساب الراحة. 

وفي تجربة قريبة من الواقع اليومي، أكدت طالبة الصحافة، سالي عايش، أن الدافع المادي يبقى الأساس. وأضافت، “لما الواحد يدرس ويشتغل بنفس الوقت بيتعب، بس لما يشوف المقابل بيتشجّع يكمل”، مشيرة إلى أن العمل كان جزءاً من حياتها قبل الجامعة. والتحدي الأكبر بالنسبة لها هو تعارض مواعيد العمل مع المحاضرات، خاصة في الأعمال التي تتطلب الحضور في وقت محدد. ورغم ذلك، ترى أن العمل خلال الجامعة يشكّل فرصة لبناء العلاقات واكتساب المهارات، مع الاعتراف بأنه قد يؤثر أحياناً على الصحة والنفسية ويحرم الطالب من عيش التجربة الجامعية كاملة. 

دعم يصنع التوازن 

وسط هذه التجارب المتنوعة، يبرز دور الجامعة في دعم الطلاب العاملين. ففيالجامعة الأميركية في دبي، يقدّم مركز التوجيه المهني منظومة دعم متكاملة تهدف إلى مساعدة الطلّاب على دخول سوق العمل بطريقة مدروسة ومتوازنة مع حياتهم الأكاديمية. ويشمل هذا الدعم الإرشاد المهني، والمساعدة في كتابة السيرة الذاتية، والتدريب على المقابلات الشخصية، وتنمية المهارات المهنية. بالإضافة إلى إتاحة منصة رقمية تُمكّن الطلاب من البحث عن فرص عمل وتدريب، والتقديم عليها، وحضور ورش عمل وفعاليات تساعدهم على الاستعداد للحياة المهنية دون الإخلال بالمسار الدراسي. 

في المحصّلة، تتنوّع قصص الطلاب، لكن تجمعهم تجربة واحدة وتحدٍّ واحد. فالعمل أثناء الدراسة يشكّل محطة مشتركة، تتقاطع فيها الضغوط مع الطموحات، وتبقى القدرة على تحقيق التوازن بين الالتزامات الأكاديمية والمسؤوليات المهنية العامل الحاسم.  

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *