“شكراً للإجازة مع أهلي اللي خلتني أعرف قيمة الجامعة” عبارة ساخرة، بدأت كترند على موقع التواصل الاجتماعي “التيك توك” استطاعت أن تكشف وجهاً آخر لحياة الطلبة المغتربين. فبينما كان الوداع والانتقال إلى بلدٍ آخر لبدء مسيرة جديدة أمراً صعباً في يومٍ من الأيام، أصبح اليوم الرجوع والتأقلم مع نمط حياة الأسرة أكثر تعقيداً مما يُتوقع. فلماذا تغيّر جوّ البيت من مساحة راحة إلى مصدر إرهاقٍ نفسي؟

بداية المسؤولية

لا شك في أنّ الغربة استطاعت أن تبني شخصية جديدة للطالب، فمن كان انطوائياً ومعتمداً كل الاعتماد على أهله، صار الآن ملزماً بأن يكون اجتماعياً ومسؤولاً عن نفسه. فعلى سبيل المثال، الطالبة الفلسطينية مريم عزّام، كانت تتكئ على أهلها فـ”لو بدي أطلب اشي، بحكي لأختي أنو هي يلي تتصلي بس هلق أنا بعمل كل شي يعني لو في عندي شي ناقص أنا بروح أجيبه”. بينما جاءت المسؤولية على الطالب المصري عمر عيسى، من ناحية الطبخ والغسيل، حيث كان “مرتاحاً تماماً” من هذه الأمور، على عكس الآن.

وتأتي المسؤولية في أقسى صورها حين يمرض الطالب بعيداً عن أهله، إذ يتحوّل الألم الجسدي إلى اختبارٍ نفسي. فبحسب التجربة الشخصية للطالب اللبناني، محمد سلام، “لو مرضت لازم أعالج حالي، مش دايماً رح لاقي رفيقي جايي يطلّ عليّ، ولا رح لاقي أمي كل شوي فوق راسي عم تشوف حرارتي وتحطّلي كمّادات مي وتعطيني الدوا تبعي، وتجيبلي صينيّة مليانة أكل وتجبرني آكل. هلق أنا لازم أعمل كل هيدا لحالي”.

ولا تقتصر المسؤولية على أمور البيت، بل اشتملت على الأمور المادية، حيث إنّ عزّام وضعت حداً للترفيه، “ما بصرف على اشي ماله داعي، يعني انا بقسم مصاريي، بمعنى انه هاد المبلغ للاستمتاع الشخصي، هاد المبلغ للاحتياجات المنزلية، فبعرف اصرف مصاريِّ باعتدال”. ففي النهاية تجد عزّام أنّ الغربة غيرت شخصيتها، وجعلتها أقوى.

FOMO (Fear of Missing Out)

يُكشف وجهٌ آخر للغربة والتي صادمت الطالبة السورية سندس قهوجي، وهو أنّها لا تعيش اللحظات الصغيرة مثل رؤية أختها الصغيرة تكبر، ” كنت أعلمها الحروف، وعلمتها الأرقام، كنت ساعدها بالمدرسة، وهلق من وقت ما سافرت، وصلت للصف التالت، وما حبيت هالشي… وصارت تتعلم القسمة الطويلة، بينما آخر شي علمتها يا إياه كان الأرقام “، وبالتالي، ولدت في سندس ، الخوف من فقدان شيء.

آثار الغربة

بعد حجز تذاكر الرجوع، يبدأ الطلاب العدّ التنازلي، فالحماس يختلف؛ منهم من يتحمّس للرجوع إلى الأكل من يد أمه، فعزّام قضت غربتها وهي تأكل “الإندومي” والتونة. وهناك من يشتاق إلى إخوته الصغار، ومنهم من يشتاق إلى غرفته التي كانت شاهدةً على كبره. إلا أنهم لا يستطيعون التأقلم لأكثر من أسبوع. فبعدما اعتاد سلّام العيش في منزل لا يسكنه أحد سواه، يعود إلى لبنان ليصطدم بفقدان جزء من خصوصيته، حيث قال: “أنا بلبنان بشارك الغرفة مع أخي، فهلق مش عارف كيف بدي أتأقلم وعيش معه بنفس الغرفة”.

ومن جهةٍ أخرى، لا تستطيع عزّام الخروج في أي وقتٍ تريده، “أنا ممنوع أركب تاكسي إلا للضرورة، وكمان مش كل الطلعات بيوافقوا عليها أهلي”. على عكس ما تأقلمت عليه أثناء عيشها بمفردها، “لو بدي أطلع، بركب التكسي وبطلع”. أما بالنسبة للرجال، فقد اتفق عيسى وسلّام أنّ الخروج ليست مشكلة لكلاهما.

وبعدما اعتاد المغتربون على الهدوء في البيت، يشتاقون أحياناً لضجة العائلة، فقالت عزّام: “أنا بشتاق لضجة البيت، ففي أوقات بدي ارجع لبيت أهلي وبدي اشوف إخوتي واسمع الضجة اللي بتصير الصبح”، ولكن يمضي أسبوع لتقول: “بصدع، وما بطيق حالي”. أما عيسى، فيشتاق هو الآخر لضجيج البيت وخصوصاً لأخته: “بتحسسني إني في بيتي”. بينما يضوج سلّام عندما يزورهم أقاربهم الصغار.

ومع اقتراب شهر رمضان، شارك المغتربون على مواقع التواصل الاجتماعي أغانٍ مثل “دايماً على بالي” و”سنة الحياة”، موقظةً مشاعرهم ومجددةً اشتياقهم إلى العودة، معلّقين عليها: “الأغنية اللي هتشتغل في رمضان وتخليك تسيب الفطار وتعيط”. فللغربة وجوه متعددة، وجهٌ بنى شخصيةً مسؤولة للطلاب، ووجهٌ آخر علّمهم التأقلم مع الوحدة، ويبقى وجهٌ ثالث مشتاقٌ إلى الأهل يتمنى الرجوع. فالغربة ليست مجرد دراسة وبُعد جغرافي، بل رحلة نضجٍ شخصي وتحدٍّ نفسي، تتطلب التوازن بين الاستقلالية والارتباط بالأسرة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *