هيا عزي.. حين تختار الذاكرة وجعها لتنجو من العدم
في مدينة تُدعى «نورلا»، يسود سكونٌ غامض يشبه لحظة الشهيق التي تسبق الانفجار. رائحة الهواء هناك باردة وثابتة، خالية من أي ذكريات. ومع كل فجر، يستيقظ الناس وهم لا يتذكرون شيئاً عمّا حدث في اليوم السابق, فلا أسماء لقتلى، ولا صور لمنازل مدمّرة، ولا مشاهد عنف. الذاكرة هناك تُمحى بقرار من ذكاء اصطناعي يُدعى “الحافظ”، ليصبح السلام ممكناً لأن أحداً لا يحمل ما يكفي من الحقد ليتقاتل.
لكن «نورلا» ليست مجرد إحداثيات في رواية خيال علمي، بل هي المختبر الأدبي الذي صاغته هيا عزي طالبة الصحافة في الجامعة الأمريكية في دبي،التي تبلغ من العمر عشرين عاماً، لتطرح من خلاله تساؤلاً وجودياً: “ماذا لو كان النسيان هو الطريق الوحيد لوقف الحروب؟”. بهذا العمل، حصدت هيا المركز الأول في مسابقة القصة الخيالية القصيرة التي نظمها مركز محمد بن راشد للفضاء بالتعاون مع مؤسسة الإمارات للآداب، جاعلةً من ألم الواقع جسراً لهذا الفوز الإبداعي.


حين لا تكون الذاكرة هي العدو
خلف الجائزة، تكمن دوافع إنسانية مرتبطة بالواقع الذي تتابعه هيا في مدينتها السويداء بسوريا، وفي غزة والسودان. بالنسبة لهيا، لم تكن التكنولوجيا في “نورلا” هي الخطر، بل كانت محاولة لمواجهة طبيعة بشرية لا تكف عن التدمير.
“كنتُ أبحث عن فكرة غير تقليدية, فالخيال العلمي غالباً ما يرتبط بالسفر إلى الفضاء، لكنني كنتُ أتابع ما يحدث في مدينتي، وأرى العنف يتكرر.. عندها سألت نفسي: ماذا لو وُجدت مدينة ينسى فيها الناس ليتمكنوا من العيش؟”.
توضح هيا رؤيتها تجاه المحرك التقني للقصة:
“استخدمت التكنولوجيا لأُظهر أنها ليست الخطر؛ فالإنسان هو جوهر المشكلة.. حتى عندما تُمحى ذاكرته لمصلحته، يختار في النهاية أن يستعيد ألمه”.
هذا الطرح يجعل القصة تبحث في جذور العنف، حيث يظهر “الحافظ” كوصي يسرق الوعي ليمنح سلاماً مبرمجاً.
ليان في مرآة “هيا”
في عالم القصة، تبرز بطلتها “ليان” كحالة تقنية غير متوافقة مع نظام المدينة، فهي الوحيدة التي لا تنجح عملية محو ذاكرتها. بينما يبتسم الجميع ببرود كل صباح بكلمات محفوظة، تبقى ليان وحيدة مع “صدى” الأمس، تشعر بضيق يزداد كلما اقترب ضوء الفجر الذي يسرق أرواح الآخرين.
هذا التناقض هو ما دفع هيا للكتابة, ففي السويداء، تحضر صور الغائبين في كل زاوية وتبقى الذاكرة واقعاً ثابتاً، بينما في “نورلا”، يغيب الماضي بقرار تقني ويتحول التذكر إلى “تهديد أمني” يجب استئصاله. وتصف هيا دوافعها العميقة:
“كنتُ أكتب من خوفي وأسئلتي، ومن أملي بعالم أقل قسوة.. الكتابة كانت المساحة الآمنة التي سمحت لي بطرح ما لا نجرؤ على قوله في الواقع”.
فجرٌ لا يمحو شيئاً
تنتهي القصة بقرار ليان تدمير نظام “الحافظ” وإعادة الذاكرة للمدينة، مفضلةً العودة إلى العالم الحقيقي المليء بالفوضى والألم على البقاء في سلام مبرمج. لقد اختارت ليان “الفجر الذي لا يمحو شيئاً”، لتستعيد هويتها حتى لو كان الثمن هو الوجع.
:وعن لحظة الفوز، تقول هيا بامتنان
“لم أستوعب في البداية أن قصتي اختيرت.. عندها فقط فهمت معنى أن التعب والصدق في الكتابة لا يضيعان، فهذا الفوز لم يكن لي وحدي، بل لكل من آمن بأن الحقيقة، مهما كانت مؤلمة، تستحق أن تُروى”.
فوز هيا عزي هو احتفاء ببيئة الدعم في جامعتها، ورسالة لجيل يستخدم الخيال كأداة لفهم الواقع لا للهروب منه. ربما لا توجد مدينة تُدعى “نورلا”، لكن طالبة من السويداء حاولت أن تتخيّلها، لأنها تدرك أن الذاكرة، بكل ما فيها من ندوب، هي الحصن الأخير للهوية.