“صوت هند رجب”: ما كانت تخشاه الدبابات
أمام قاعة العرض الخارجية في الجامعة الأمريكية في دبي، احتشد عشرات الطلبة في صمت لفّ المكان، وبأعين شاردة أثقلها الحزن، وأيدي تمسح ما تبقّى من دموعٍ اختنقوا بها في الداخل، وكأنّهم يغادرون مجلس عزاء. جاء ذلك عقب العرض الذي نظّمه النادي الثقافي الفلسطيني، الخميس الماضي، بالتعاون مع نادي “سينماتوبيا”، لفيلم “صوت هند رجب”.

بن هنيّة تحيي سردية خالدة
وبين صمت وتصفيق وبكاء، وثقت هند بصوتها، الذي لم يتجاوز ربيعه الخامس، سرديّةً تجاوز عمرها خمسة وسبعين عاماً. فقد وثّقت المخرجة التونسية كوثر بن هنيّة، في تسعين دقيقة، وقائع قصة الطفلة الفلسطينية هند رجب التي استهدفت مع ستة من أفراد عائلتها، في 29 يناير/ كانون الثاني 2024. وذلك عقب بقاءها محاصرةً داخل سيارةٍ استهدفتها دبابات إسرائيلية، إلى جانب جثامين عائلتها، لساعات قبل وفاتها. واعتمدت بن هنيّة على توثيق الصوت الأصلي، ممثلاً في مكالمات هند للهلال الأحمر الفلسطيني مستغيثة. كما استعانت بأرشيف تسجيلات الموظفين الذين تلقّوا اتصالها الأخير قبل أن يسكتها الرصاص. ثم أعادت بناء هذه العناصر كلها بصرياً، محافظة على أدق التفاصيل، بدءاً من اختيار الممثلين؛ سجى الكيلاني، ومعتز ملحيس، وكلارا الخوري، وعامر حليحل، وصولاً إلى الملابس التي طابقت ما كان يرتديه أصحاب القصة الحقيقيون آنذاك. مما جعل الفيلم يبدو أقرب إلى شهادةٍ حيّة منه إلى عملٍ درامي.

٧٢
٢٧، كان هذا رقم الرصاصات التي اخترقت جسد هند الصغير خلال ست ثوان، فيما أُطلق على السيارة التي كانت تستقلّها مع عائلتها مجموع ما يقارب 355 رصاصة. إلا أنه، عند النظر إلى هذه أرقام، قد يتساءل المشاهد، عن عدد الرصاصات التي يحتاجها جسم الإنسان ليفارق الحياة. لكنّ الدراسات العلمية تؤكد بأنّ شظيّة واحدة قد تكون كافية لإنهاء حياة كاملة إذا أصابت موضعاً حاسماً، فالمسألة حتماً لا تكمن في العدد. وإذا كان هذا هو الحال بالنسبة لجسد إنسان بالغ، فإنّ جسد طفلة في الخامسة من عمرها قطعاً ما يكون أكثر هشاشة، إذ غالبًا ما يؤدّي صِغَر مساحته الفيزيائية إلى تدمير أكبر. وهذا كله كائن من الناحية العلمية، أما على الجانب القانوني، فبموجب القانون الدولي الإنساني، يقتصر استخدام القوة على الأهداف العسكرية فقط، وهي تلك التي يؤدي “تدميرها أو الاستيلاء عليها” إلى تحقيق ميزة عسكرية مؤكدة. فمن كانت هند رجب، تلك التي لم يتجاوز عمرها خمس سنوات، لترعب آلاف الجنود الإسرائيليين وتطاردهم حتى مصارعهم ودباباتهم ومدرعاتهم؟ أيّ تهديد كان يمكن أن يشكله جسدها الصغير المحاصر تحت مقاعد السيارة؟
ذاكرة شعب تخترق أروقة المؤسسات السينمائية العالمية
الفيلم يرتكز على السردية من خلال تأريخ الحدث بالسرد الصوتي، ليحول ذاكرة هند الفردية إلى ذاكرة الشعب الفلسطيني بأكمله. إذ إنّ حضور هند الصوتي، الدال على غيابها، يمثل حالة من المفارقة التي أحدثت تلك الاستجابة العاطفية العميقة لدى المشاهدين. وبذلك، غدا صوتها المرتجف سفيراً لأصوات الآلاف، ممن لم تمهلهم رصاصات الاحتلال وقذائفه وقتاً يُسمعون به. وهكذا، اخترق صوت هند أروقة أرفع المؤسسات السينمائية في العالم. وفي هذا السياق، علّق رئيس النادي الثقافي الفلسطيني، طلال البدارين، عن عرض الفيلم في الجامعة، قائلاً “يأتي العرض ليسلط الضوء على القصة الإنسانية وراء الأرقام”، مؤكداً أنّ “صوت هند ذاكرة كاملة يجب أن تبقى حية، خاصة داخل الفضاءات الأكاديمية”.
وعُرض الفيلم للمرة الأولى ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية السينمائي الدولي في دورته الثانية والثمانين، حيث حصد الجائزة الكبرى للجنة التحكيم، ونال تصفيقاً امتد لأكثر من عشرين دقيقة. ومن الجدير بالذكر أنّ مهرجان البندقية السينمائي هو أقدم مهرجان سينمائي في العالم. كما عرض الفيلم في مهرجانات دولية مرموقة، من بينها مهرجان تورونتو السينمائي الدولي، ومهرجان لندن السينمائي، ومهرجان القاهرة السينمائي الدولي، إلى جانب عروض في أوروبا وأمريكا الشمالية والشرق الأوسط. وقد تُوّج بعدد من الجوائز، ورُشّح لجائزة الأوسكار لأفضل فيلم دولي، وجائزة الغولدن غلوب لأفضل فيلم بلغة غير إنجليزية، إضافةً إلى ترشيحات وجوائز أخرى، ليؤكد حضوره كواحد من أبرز الأعمال السينمائية التي وثّقت المأساة الفلسطينية المعاصرة.