حين يصور الخيال ملامح الحب في وعينا
أحياناً يبدو الحب على الشاشة أكثر إقناعاً من الحياة نفسها. فمنذ صغرنا، رسمت لنا أفلام الأميرة والأمير عالماً من العلاقات الحالمة، حيث لا مكان للخيبات ولا حدود للانبهار. يتجلى ذلك، على سبيل المثال، في فيلم “الجميلة والوحش”؛ حيث نرى قصة “بيلا” التي تقع في حب الوحش رغم مظهره، لنتعلم أنّ الحب الحقيقي يتجاوز القشور، لكننا في الوقت ذاته نُحقن بصورة نموذجية للانجذاب الفوري. وفي “سندريلا”، نتابع كيف تتحقق الأحلام حين يختار الأمير البطلة، ما يغرس فينا فكرة أنّ العثور على الشريك مرتبط بالحظ والاختيار القدرِيّ. تلك المشاهد لم تكن مجرد حكايات، بل أدوات شكلت تصوراتنا، وبنت توقعاتنا، وزرعت فينا مواصفات “الشخص المنتظر”. ومع الوقت، كبرت هذه الصور وتداخلت مع واقعنا، لينتج عنها مزيج من الشغف والرهبة والتساؤل : هل نحب اليوم كما رسمت لنا الشاشة، أم أننا ما زلنا نطارده خيال الطفولة؟
صورة مبكرة… وتأثير ممتد
حين تواجه الفتيات الواقع، يكتشفن أنّ العلاقات لا تشبه دائماً تلك اللوحات السينمائية التي نشأن عليها، حيث تتشابك المشاعر بالاختبارات اليومية. صرّحت فرح أحمد (21 عاماً) بأنّ علاقتها الأولى بالحب بدأت من الشاشة؛ وقالت: “كنت مفكرة إنو الواحد بيعرف فوراً إنو هذا هو شريك الحياه… نظرة وحدة بتكفي وكل شي بيصير واضح”. هذا التصوّر لم يكن فردياً؛ إذ أوضحت ليان التميمي (20 عاماً) أنّ صورة الأميرة ربطت معنى “الفوز” بالاختيار، قائلة: “كبرنا وإحنا منشوف إنو الأميرة لما الأمير يختارها هيك بتفوز، ومن دون ما نحس صرنا نستنى حدا يختارنا بدل ما إحنا نختار”.
بالمقابل، لم يكن تأثير هذه السرديات أقل حضوراً لدى الشباب، لكنه اتخذ منحنى يتصل بـ “الدور القوي” لا “الانتظار”. أوضح عبد الله الخاجة (19 عاماً) أنّ الأفلام رسخت لديه نموذج البطل الذي لا يخطئ: “كنت حاسس لازم أكون دايماً الشخص اللي بيعرف شو يعمل وما بغلط… كأني بطل فيلم مش إنسان عادي”. يظهر هذا بوضوح في فيلم “علاء الدين” الذي يسعى لإثبات شجاعته للفوز بقلب ياسمين، ما يكرس صورة الرجل الذي يجب أن يتصرف بحكمة خارقة في كل موقف. أما ربيع نعيم (31 عاماً)، فقد أشار إلى أنّ الأفلام تعلمنا كيف تبدأ القصص، بينما تتركنا نواجه تحدي “الاستمرارية” في الواقع وحدنا. وهكذا، يتضح أنّ السينما لا تصيغ توقعاتنا فحسب، بل تفرض علينا أدواراً جاهزة قبل أن نكتشف أن الحياة ليست نصاً مكتوباً.
مختبر المشاعر: كيمياء الحب بين الشاشة والدماغ
أحياناً يشعر المشاهد وكأن قلبه ودماغه يعيان كل لحظة درامية كما لو كانت حقيقية. وفي هذا السياق، توضح الدكتورة النفسية لمى الصفدي أنّ مشاهدة هذه القصص تخلق تفاعلاً فعلياً في الدماغ؛ حيث تنشط أنظمة عصبية مسؤولة عن التعاطف، مثل دوائر المكافأة المرتبطة بالدوبامين والأوكسيتوسين.
وتضيف الدكتورة أن الدماغ يخزن هذه الصور كـ “نماذج معرفية”، فيكوّن فكرة عن رومانسية خالية من الملل، ما يؤدي أحياناً إلى مقارنة ظالمة مع الواقع، وهو ما يُعرف بـ “التنافر المعرفي العاطفي”. هذه الفجوة قد تؤدي إلى خيبات أمل أو شعور بالنقص، لكنها في المقابل تمنحنا فرصة لفهم احتياجاتنا العاطفية بشكل أعمق إذا استعملناها كأداة للنمو لا كمسطرة للقياس.
قد لا تكون أفلام الطفولة مسؤولة عن كل قناعاتنا، لكنها كانت النافذة الأولى. كبرنا ونحن نصدق الصور، ثم بدأنا نعيد تفكيكها مع أول تجربة حقيقية. ربما لا تكمن المشكلة في الحكايات نفسها، بل في تصديقنا أنها “القاعدة” وليست “الاستثناء”. وبين خيال الشاشة وواقع الحياة، يبقى الأهم أن نمنح أنفسنا فرصة لكتابة حبّ يشبهنا، لا حبّاً كُتب لنا مسبقاً.