حين ذُبح العاصي وهُتِكَ العَرض في آبار مدينة حماة ١٩٨٢

“كنا نكتم أنفاسنا، ليس خوفاً من الموت، بل خوفا من الذل حين يسمع القتله ان فينا عرقا لا يزال ينبض”. بهذه الكلمات، تختزل الناجية “أم فراس” مشهد ٤٤ إنساناً حُشروا في غرفة واحدة داخل قبو بشارع أبي الفداء. لم يكن الرصاص وحده ما يلاحقهم؛ فمن شدة الضرب والقصف، انفجرت “ساعة المياه” لتغرق الغرفة بماءٍ بارد اختلط بدم “ميسر” التي رمت جسدها فوق ابنتها “رباب” لتكون “خيمةً من لحم” تحميها من رصاص “سرايا الدفاع” بقيادة رفعت الأسد. في حماة، توقف نبض نواعير العاصي ذات فجرٍ أسود، ليرسخ دستوراً كُتب بالبارود: “احكم بالحديد والنار واجعل شعبك يعلم انه لا قانون يحكم هنا في سوريا”.

لقد استقرّت حصيلةُ الموت في الذاكرة السورية عند عتبة الـ ٤٠ ألف قتيل، وهو رقمٌ يظلّ طيفاً هائماً لا يجرؤ أحدٌ على جزمه؛ فالتعتيمُ الإعلامي المطبق الذي فرضه النظام حوّل المجزرة إلى ‘صندوق أسود’ مغلق بمسامير الصمت والإنكار. بيد أنّ عشراتِ آلاف القتلى، على فداحة الرقم، لا تُغني عن مئاتِ القصص التي لن تُروى يوماً؛ تلك الحكايا التي كُتمت في سوريا طوال عقود حكم الأسد، وظلّت مجزرة حماه حبيسة الصدور أو دُفنت في التراب قبل أن يتاح لها صوتٌ أو شاهد.

 حين صار “المُخبر” مهندساً للموت

“أم فراس” لا تبدأ حكاية الوجع من شباط ١٩٨٢ بل من عام ١٩٧٩ حين بدأت المدينة تفقد “شبابها الوردات” في سن الـ ١٥ والـ ١٧. تروي كيف كان الفتيان يُخطفون من مساجدهم بتهمة “الإرهاب” لمجرد سماع درس ديني؛ ليخرج “أنس” من بيت السمان بعد ١٤ عاماً في الأقبية “معتوهاً، نص صحته رايحة”. في تلك السنين، لم يكن “المُخبر” ضابطاً كبيراً دائماً؛ بل كان أحياناً عامل نظافة يدفع عربة في السوق، يلتقط “سيرة” فيكبرها، ويحول الكلمات إلى مذكرات إعدام. ومن رحم هذا الرعب وُلد المصطلح السياسي الأكثر قسوة في تاريخ سوريا: ‘الحيطان لها آذان’. كانت هذه العبارة هي الدليل القاطع على سهولة الاعتقال والقتل بلا سبب يُذكر، حيث صار السوريون يخافون حتى من الجدران الصامتة، خشية أن تكون مخبأً لوشايةٍ تنهي حياتهم.

 تصف أم فراس كيف بدأت تصفية النخبة وتجار السوق مثل “ابن الأسود” والدكتور من بيت “الإنتاجي”، حيث كانوا يُقتلون ويُرمون “عند حاويات الزبالة” لترويع المدينة قبل الانفجار الكبير.

الحقد على الأجنة القادمة

في عقلية “الوحوش” التي اقتحمت أحياء “الكيلانية” و”بستان السعادة”، لم يكن الطفل يوماً ضحية جانبية، بل كان “عدواً مؤجلاً”. تروي الذاكرة الحمويّة فظائع يرتجف لها القلم؛ جنودٌ يمسكون الرضّع من أرجلهم و”يفسخونهم” نصفين أمام أمهاتهم، قائلين ببرود سادي: “بكرا بيكبرو وبيقتلونا”.

هذا المنطق الإبادي الذي يقتل “الاحتمال” تجسد في قصة الدكان الذي حُشر فيه ٧٥ طفلاً وشاباً؛ حيث أمر الضابط بإلقاء قنبلة يدوية وإحراقهم بالكمون (استخدام مواد كيميائية كانت تترك جثث الضحايا متفحمة وذات لون وملمس يشبه الكمون المطحون). تحول العنف إلى “سادية” نُفذت بمشارط جراحية وسكاكين شقت بطون الحوامل لانتزاع الأجنة وقتلها أمام أعين أمهاتهن المذبوحات. وبلغ الوجع ذروته في قصة “بشر”، طالب البكالوريا الذي وقف خلف باب منزله ظناً أنه يحميه، لتأتي قذيفة وتنهي حلمه بالجامعة في لحظة.

ولعلّ أبشع ما سُجّل في ذاكرة الجوع، قصة ‘فخ الخبز’؛ فبعد أيام طويلة من الحصار والتجويع المتعمد، انطلق صوت المكبرات في الساحات يعلن توفر الخبز، لكن بشرطٍ سادي: ‘مسموح للأطفال فقط بالخروج لإحضار ربطة واحدة’. وحين ركض الأطفال ببراءتهم ولهفتهم لسد جوع عائلاتهم، حصدتهم الرشاشات جميعاً بدمٍ بارد.

الذهبُ المُغمّس بالدم

حين فرغ القتلة من الأرواح، التفتوا إلى “غنائم اللحم”. لم يكن لدى عناصر “سرايا الدفاع” وقتٌ لفك الأساور من المعاصم التي تورمت جراء الرعب أو الإصابة؛ كانت السكاكين هي الأسرع. تروي السيدة أم فراس كيف تحولت البيوت الأنيقة إلى مسارح للنهب: “أول شيء نهبوا البلد، سرقوا المحلات، كل محل فيه صندوق حديد فتحوه وسرقوه”.
وفي شهادات الناجية “أم أحمد السمان” والناجين، عاد الرجال ليجدوا جثث نسائهم بلا أيدٍ؛ “كانوا يقطعون أطراف النساء من المعاصم لسرقة أساور الذهب، ويشرمون الآذان لانتزاع الأقراط”. حتى ابنت عمتها “رباب”، التي نجت تحت جثة والدتها، تصف تلك اللحظة: “من خوفي حسيت إيدي ارتفعت وأخدوا منا الدهب والخواتم ورجعت انبطحت.. كانوا يفكروها ميتة والدم عليها من دم أمها”. وفي تلك الأثناء، كان العناصر يجمعون رجال الحي في نقاط معينة ويعدمونهم ميدانياً، و بعضهم يدفنون أحياء، بينما حُرم الأهالي من إسعاف الجرحى بسبب حظر التجول المطبق.

مآذنُ النحيب

تحولت مساجد حماة إلى “مسالخ” ومنصاتٍ للانتهاك. تروي النسوةُ اللواتي كسرن صمتهن بعد عقود، كيف كانت تسحل الفتيات من شعورهن ليسحبو الى الجامع الكبير ويغتصبو على صوت مكبرات مآذن انتهاك الاعراض لمزيد من الذل للعائلات المحترمه الوقوره المتدينه.

وأمام هذا الجحيم الساقط على الكرامة، لم تجد الفتيات مهرباً إلا “طهارة الانتحار”. انتشرت القصص في أحياء “الطوافرة” و”الكيلانية” عن فتياتٍ ألقين بأنفسهن في “آبار البيوت القديمة” أو في بئر الجامع فراراً من دنس الانتهاك الممنهج. تروي السمان حال الأمهات حينها: “كانت أمي تلبسنا الي ولأختي “المانطو” أسود ونحط منديل أسود كأننا كبار بالعمر خوفاً من أن يعتدي علينا أحد، لأنهم كانوا يفضلون الشابات الصغيرات”.

عمى السلطة

السلطة التي تخشى الحقيقة، كانت تفقء أعين شهودها. الطبيب حكمت هاني الخاني، طبيب العيون الشهير، اقتيد إلى معتقل “البورسلان” (مصنع الخزف). هناك، وبقطعة حديدية صدئة، قالوا له: “ما دمت طبيب عيون فسنقلع عينيك”؛ وفُقئت عيناه أمام المعتقلين قبل إعدامه. ولم تتوقف الوحشية عند هذا الحد؛ فحين خرج وفدٌ من الأطباء لمحاورة حافظ الأسد، عادوا مقتولين؛ طبيب العظام عبد القادر قندقجي كسروا عظامه كلها وقتلوه، وطبيب العيون عمر الشيشكلي قتل برصاصتين في عينيه.

وفي مدرسة الصناعة، نُفذت جرائم “هندسة الموت”؛ حيث كان الجنود يضعون رؤوس الشبان داخل “الملازم الحديدية” ويضغطون عليها حتى تنفجر الجماجم وهم أحياء. أما في مشفى حماة الوطني، فقد رأت السمان المشهد الذي لا يُمحى: “الجثث كانت مسطحة بالأراضي والكلاب تأكل أطرافها.. والعالم عم يقلبو الجثث يدورو على ولادهم”. وحين سألت أمٌّ عن طبيب عيون ليعالج جنجلاً في عين ابنتها، أخبرها الممرض ببرود: “الدكتور اللي بدك ياه بالتلاجة، قتلوه”.

“يرشون الناس مثل الصراصير”

تستذكر أم فراس “يوم الأحد الأسود” بشارع ٨ آذار، و”الأربعاء الأسود” بشارع أبي الفداء، حين كانت الأوامر تقضي بالقتل العشوائي لرفع “الحصيلة” التي طلبها رفعت الأسد والتي أمر أن تكون ١٥٠٠٠ قتيل في اليوم الواحد: “كانوا يرشون الناس مثل الصراصير.. مثل الدبان”. تحكي بحرقة عن حمدي السمان، الأب المريض الذي رأى ابنه الطبيب يُعدم أمام عينيه، فمات الأب بجلطة قلبية فوراً. ولم تجد زوجته من يدفنه، فغسلته ولفته بشرشف، وانتظرت “جرافة الجثث” لتضعه مع القتلى الغرباء.

وبيان حوى تروي قصة والدها محمود حوى وعمها مصعب، اللذين اعتقلا من “المنزول” بابتسامة صابرة قائلين: “قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا”؛ ليُعدما رمياً بالرصاص في الوجه والجبين مكبلي الأيدي، ويُدفنا سراً مع منع العزاء بهما.

الذاكرة التي ترفض القبر

بعد ٢٧ يوماً، توقفت المدافع، لكنّ “المحو” استمر بالجرافات التي مسحت أحياء تاريخية عريقة تشبه “غرناطة” الإسبانية. بنى النظام فوق رفات الآلاف “فنادق سياحية” (مثل فندق أفاميا) ومتنزهات لطمس معالم الجريمة تحت طبقات الإسفلت. لقد أراد النظام إغلاق الجرح بالكيّ؛ فحين سُئل حافظ الأسد عما جرى في حماة، ردّ ببرودٍ صار دستوراً لمن خلفه: ‘ما حدث في حماة جرى وانتهى’. رسالةً لكل سوري يفكر في قول ‘لا’ أو الانتماء للمعارضة، مفادها أن الدولة مستعدة لمحو مدينة كاملة لتظلّ هي باقية.

اليوم، وبعد أربعة عقود، أصبح العاصي “أرشيفاً” يحمل جثث ١٩٨٢ ووعود ٢٠١١. حماة اليوم لن تبقى مدينة الأرامل، بل هي مدينةُ الحقيقة التي ترفض النسيان. وكما كتب الروائي خالد خليفة: “دم الضحايا لا يسمح للطاغية بالموت، إنه بابٌ موارب يزداد ضيقاً حتى يخنق القاتل”. سقط الصنم في ٢٠٢٤، وعادت النواعير لتدور لتروي القصص التي حُبست في الآبار وتحت أساسات الفنادق. وكما قال عبد الباسط الساروت: “يا حماة سامحينا”؛ اليوم تكتمل الحكاية بموت رفعت الأسد دون عقاب أرضي، لكنّ أحجار حماة ستنطق بالعدالة للأبد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *